يقولون دائمًا أن هناك احتمال كبير أن يصبح العقلاء أكبر المرضي النفسيين أو المختلين عقليًّا. و هذا ما حدث فعلًا مع "طه". "طه" كان أحد هؤلاء الشباب الذين يعيشون حياتهم بإتزان، فكان ليس مًرفّهًا و كان لا ينسي حق عقله عليه، فلم يكن تافهًا أو مُعقّدًا. لكن هناك دائمًا نقطة تحوّل في حياة جميع البشر. و عندما تكثر الصدمات و يزداد الألم النفسي يصبح من الصعب السيطرة علي الأفكار التي تجول بذهنك. فكيف لعقله أن يتحمل فقدانه لزوجته و ابنه الوحيد في حادثة حريق بيتهم و كان هو الوحيد الناجي منها! كيف له أن ينسي مشهد وجوههم المستغيثة و هو يحاول مساعدتهم و لكن باتت محاولته بالفشل. حتي عندما فكّر أن ينهمك في عمله قرّر مديره بإعطائه "إجازة مفتوحة" لأنه رأي سوء حالته النفسية.
كان "طه" أقوي من نفسه؛ فلم يستسلم لنداءات الخَمر و مُذهِبات العقل الأخري و إن كانوا العلاج الوحيد لحالته. لم يكن مُحبًا للقراءة علي الإطلاق أو الكتابة و لكنه وجد نفسه كوّن مكتبة تحمل أنواعًا مختلفة من الكتب تحيطها الكثير من الأوراق المتناثرة المليئة بملاحظاته الغريبة. "عندما تقع في شِبَاك عقلك الباطن فأنت هالك لا محالة" تلك الجملة التي خطّها بيده و لكنه لم يجد سببًا مُقنعًا لكتابتها ...
استمر "طه" في استرجاع ذكرياته المؤلمة و كلما يفيق من تلك الدوامة يسب و يلعن قدرته علي تذكُّر أدق التفاصيل، لكن لا يجدي سبابه أو لعنه نفعًا. اشتد عليه مرض الذكريات، فأصبح يري كل ليلة تفاصيل يوم حريق منزله و يستيقظ من النوم باكيًا، كارهًا أنه أصبح ضحية لكوابيسه. بعض الليالي لم تكن لديه رغبة في النوم حتي أنه اعتاد علي بقائه مستيقظًا، يغفو بضع ساعات في النهار دون أن يشعر و لا يري فيهم أي كوابيس. تأّكد "طه" من إصابته بمرض نفسي خطير، لطالما كان شخصًا اجتماعيًا لا يمل أبدًا من مرافقته للناس في أي زمان و أي مكان فكيف أصبح الآن يعيش وحيدًا يكاد ينسي كيف تُنطَق الحروف؟! فكّر في الانتحار كثيرًا لكنه أبي أن يكون ضعيف النفس أو أن يسمح لعقله أن يسيطر عليه. فكّر كثيرًا حتي استقر علي حل : سيساعد نفسه كما ينبغي عليه أن يفعل.
في صباح اليوم التالي كان يقف مرفوع الرأس أمام مبني لا يمكنك أن تصفه بغير "متحف الموتي". كان مبني شاهقًا لا يمكنك الاستدلال من كثرة الغيوم المُحيطة به و ذلك اللون الرمادي الغريب الذي يغطيه علي وجود كائن حي يعيش فيه. كانت ضربات قلب طه سريعة حتي أنه شك أن تلك السيدة الغريبة التلي تقف أمامه تسمع صوتها. قال في صوت متهدّج : "أريد أن أقيم في هذا المشفي." لم تتغير ملامح المرأة -التي من المفترض أنها ممرضة- إذ أحست أنه يمزح أو ربما يحاول أن يستخف بها، فهو بدا لها أعقل من نفسها! قالت بتهكم : "و لكنك تبدو بخير!" "لا تنخدعي بالمظاهر، فالآلام النفسية لا تترك ندبًا مرئيًا." اقتنعت الممرضة بذلك الرد و أجلسته مع أحد الأطباء و بصدفة غريبة وافق الطبيب علي إقامته في المشفي.
هل ندم طه أنه سجن جسده في مكان مُوحش طنّ أنه قد يساعده علي الشفاء؟ نعم ندك كثيرًا بل تمني الموت علي أن يطيق هذا الوضع. لكن سجن عقلك و أفكارك و ذكرياتك و كوابيسك لا يُقارن أبدًا بسجن الجسد، فقد اعتاد تلك الصرخات المرعبة التي يسمعها طوال الوقت بداخل رأسه و لا يستطيع أن يُخبر أحدًا عنها.
وحده سيظل سجين أفكاره و آلامه، وحده سيظل منسيًا في تلك الغرفة الباردة، وحده سيبقي حبيس جروحه و كوابيسه، وحده سيطارده الشعور بالندم و العجز. وحده سيظل ذلك السجين .. سجين عقله!
